أعتقد أنني أحب السمك والبحر ، لكنني للأسف لا أعرف الصيد ولا اللحوم ، لهذا بقيت طوال حياتي القصيرة أحب شيئاً أسمع عنه ولا أراه ولهذا السبب أيضاً حلمت بقصص عجيبة تشبه مغامرات السندباد وجول فيرن وموبي ديك ، طبعاً لم تكن بالضرورة متوافقة مع الواقع البري أو البحري بكل تفاصيله التي تعرفونها حق المعرفة .
نعم كانت تصلنا عربة سمك مجمد تقطع مسافات طويلة لتصل إلينا ، وكنا نستقبلها بحفاوة زائدة، فكنا نشتري السردين كله ، ليس عشقاً لهذه السمك البراق المغفل الجاحظ العينين كمصدوم ، وإنما كي لا تذهب الشاحنة إلى قرية الجزيرة المجاورة لنا . لا نحبها أن تشترك معنا في أي شيء وأحياناً يحمل أحدنا كمية من السمك ولا يستهلك منه إلا قسطاً يسيراً ، والبقية يرميه للقطط والمشردين ، أنا شخصياً لا أفهم لم تنشب العداوة بين الجيران ؟ ومن جارك في البيت المجاور إلى القرية المجاورة إلى المدينة المجاورة إلى الدولة المجاورة !.
.
كنت في صغري أمتنع عن أكل السردين بدعوى أنه ميت وعيونه المتحجرة كانت ترعبني والآن لا أعرف لم كنت أكرهه لأن في جوفه قطعاً والبحر أيضاً كنت أكرهه لأنه يؤثث أعماقه بهياكله العظيمة عندما أستيقظ من نومي أخرج من صراع قدري مع حيتان البحر العظمى التي أسمع عنها ولم أرها إلا في أحلامي ، كانت رائحة البحر والسمك تحوم حولي كغمامة ملاك صغير، وكأن قدري لن يكون سوى في البحر خصوصاً أن قريتنا عين العميان، لم يعد لهويتها من معنى ، نبع الأساطير والمعجزات جف منذ سنين ، وبقي بعض العميان القادمين عن طريق الخطأ يتشبثون بالخرافة في انتظار المعجزة .
العميان الذين يصلون إلى القرية ولا يحملون معهم شيئاً جديداً .. عندما كنت أسأل عما يوجد خلف العين والغابة والجبال كانوا يردون الجبال والغابة والعين وعندما أحتج على أجوبتهم الضريرة يدفعونني بعصيهم وكأنهم يدفعون حقيقة موبوءة .
كنت كل صباح باكر أقتفي أثرهم وهم ينزلون إلى العين باحثين عن شعرة أمل وحين لا يجدون غير الحصى الساخن الراقد في جوف العين يرتدون إلى ذكرياتهم القاسية لا تصلني من أحاديثهم غير إشاراتهم المبالغ فيها وهم يلوحون بعصيهم وكأنهم يحاربون طواحين الهواء.
الآن وبعدما حدث ما حدث يمكنني التفكير أن الطبيعة لم تكن أبداً رحيمة بنا بل كانت كقلب ديكتارتور مجنون بالعظمة ، نحن لا نملك غير التراب والسماء ، التراب بين أيدينا والسماء في عيوننا نمد إليها رجاءنا ان تمطر لكنها تنسحب بزرقتها دون أن ترد ، ولأن الشمس تحبنا بمازوشية فهي تحنو على رقابنا بضوئها اللاهب قطعاً لن نحب الأرض لأنها من دون فائدة في سهولنا الأفريقية ولن نحب أمهاتنا اللائي أخرجننا إلى الشمس نتيجة خطأ في تناول اقراص منع الحمل ، ولن نحب آبائنا لأنهم لا يجيدون ما يفعلون .
لا أريد في الحقيقة أن أشعل بالك بهذه الترهات ,., المهم أنني تعلمت تلحيم الحديد كي أهرب من مدرسة بعيدة ومعلمين يائسين من كل شيء .. ولم تكن الحياة جميلة بعنف الصراع مع الحديد والنار فهربت في أول فرصة إلى سهول الفلفل الأحمر حيث تعرفت على شاحنات السائقين الإسبانيين الذين يصلون في حالة مزرية من التعب ، ينامون نوماً عميقاً في انتظار شحناتهم الجديدة .
كنا حولها نحوم كعقبان تنتظر بقايا وليمة ، وحين سنحت لي فرصة حقيقية للعبور إلى الضفة الأخرى ، عضضت عليها بالنواجد لكن قبل مغادرة الشاحنة الموقف ضبطني سائقها فهربت ، ولأن التكرار يعلم الحمار فقد تعلمت كيفية حشر جسدي بين دفتين من الحديد تاركاً جسدي مصلوباً بينهما وكأنني قطعة حديدية إضافية .
في طريقي الناجحة هذه كانت الهواجس تتلاطمني : هنا يلقى علي القبض ، هنا يشبعونني ضرباً .
في طنجة كنت أرى العالم الموبوء وهو يهاجمني كوحوش مفترسة أطفال تدهسهم الشاحنات وسياح المتعة يتأرجحون بين الشمال والجنوب كنت أسمع حكايات عجيبة عن موت الكثير من العابرين السريين غرقاً في البحر لكنني أسمع أيضاً عن الذين عادوا بثروات من التهريب والمخدرات وتجارة الجنس .
أرجو ألا أكون قد أزعجتك بقبعتي هذه ، تعرف منذ تلك الحادثة التي قطعت فيها ساقي ، لم أتحدث مع أي أحد ، حتى عندما جاءت الشرطة الإسبانية تستعلم عن هويتي وظروف حادثتي لم أتفوه بكلمة واحدة ، لكن معك أنت يختلف الأمر يختلف ربما لأنك ( مهاجر سري) مثلي .
أومأ زميلي في الغرفة بإشارات تدل على أنه فهم حكايتي لكنه ليس بمقدوره أن يتكلم ، وعندما تطلعت إلى وجهه المتواري خلف عمود النور الآتي من النافذة رأيت حفرتي عينيه الفارغتين فسأله بفزع : أين عيناك أجاب بحزن : أكلهما السردين