Warning: file_put_contents(/home/almaydan/public_html/news/banarat/banners.php) [function.file-put-contents]: failed to open stream: Permission denied in /home/almaydan/public_html/news/include/functions_misc.php on line 0 قصة قصيرة بقايا حبر وعطر ناصر الحسن - المقالات - صحيفة الميدان اليمنية المستقلة - powered by Infinity
عطرها ظل عابقاً بالمكان، ما زال دمعها يبللني ما زال يمدني بالدفء ويشعرني بحنانها، ما زال دمي يتدفق في شراييني، وعذوبة حلوة تنداح في أوردتي من آخر لمسة من يديها .
في كل صباح ومع نسيمه البارد تهصرني من خصري النحيل برفق وتوئده وتخط بي أجمل الخطوط .. أحياناً تتوقف عن الكتابة وتضع رأسي بين شفاهها المكتنزة المصبوغة بجمرة ربانية، وفي كثير من الأحايين تقضمني برفق بأسنانها العاجية وتبللني بريقها الدبق فتنضح روحي سعادة .
كم كان يحسدني قرنائي من الأدوات وخصوصاً تلك الآلة التي تحصل على شدخة قوية على رأسها لتزرع أسنانها الرمادية على الورق، كنت أسير بسلاسة في حركة متناغمة مع إيقاع اللحظة معانقاً أناملها الرشيقة وقد طلت أظفارها بلون البرتقال وكأننا نتزلج في صالة للعرض أو في مسرح للباليه .
أما حين تقذفني إلى زميلها ذي الشوارب الكثة ويديه الغليظة فأنز حبري ببطء ممل لتخرج الكتابة باهتة نكاية به فيقوم بقذفي لها متأففاً مني فتتلقاني بضحكة خجولة قبل يديها الناعمتين . هذا الصباح وعلى غير العادة أتت متأخرة فتحت الدرج الذي كنت أقبع فيه وفي عينيها دمعة تحاول الهرب لملت أوراقها وحاجياته أخذت عطرها، وطلاء أظافرها، مسحت المكان من كل شيء كل شيء إلا أن تركتني وحيداً مع قطرة من دمعها الدافيء فرت منها وسقطت على سطح ظهري قبل أن تغلق الدرج .
تبخرت تلك الدمعة مع مرور الأيام وبرد معها المكان من عطرها حتى تجمد الحبر في شراييني / رملتني بغيابها لم يعد للمكان حميمية أو دفء، أو رائحة حلوة.
فتح الدرج على حين غرة، وامتدت يد ثخينة يابسة، وبأصابع متعرقة ملؤها الشعر، أخذت تجوس المكان بحثاً عن شيء ما . فقبض علي من عنقي بإبهامه وسبابته وكأنه وجد ضالته، أخرجني من الدرج، نزع قبعتي حاول تمريني للكتابة إلا أنه لم يفلح وضع فمي في فمه، أغرقني من ريقه ورائحة فمه الكريهة مما دفعني أن أتقيأ بعض الحبر الباهت .
حاول الكتابة مرة أخرى، لم يفلح أيضاً، فطول المدة قد جمدت مفاصلي ودمي ولم أعد قادراً على الجري .
لم ييأس مني، أنزلني على سجادة المكتب وأخذ يخت بوجهي الأرض ويضغط بكل قوته مما أحدث توسعاً في شدقي وسرت الحرارة من وجهي إلى جميع جسدي وبعد أن تضرج وجهي بالحبر والتراب رفعني محاولاً الكتابة ،فأخذت ألفظ قطعاً كبيرة من كبدي على الورق مما أثار حفيظته فمسكني بكل حنق وغضب، وعض علي بأسنانه التي نخرها السوس، وجرشني بها وكسر فقرات ظهري وانتهى بي الأمر في سلة المهملات .