الرئيس: الفيدرالية ارتدادا عن الوحدة الاندماجية التي تعد الأسبق
يبدو أن تحسس الحكومة من حكاية "وحدة فيدرالية في اليمن" أصبح في التناقص تدريجيا بعد أن كان الحديث عنه في البداية خط أحمر وخيانة وطنية.
وأهم العلامات التي تؤكد تزحزح موقفها من الفيدرالية كخيار لحل أزمة المحافظات الجنوبية، هو إعلان القربي أن الفيدرالية أحد الخيارات المطروحة لحل أزمة الجنوب، قبل أن يتراجع عن تصريحه بضغوط على ما يبدو.
وللأهمية فإن عنوان "القربي: الفيدرالية مطروحة لحل أزمة الجنوب" لقي حفاوة كبيرة لدى وسائل الإعلام الرسمية اليمنية، وكذا المنتمية للحزب الحاكم "المؤتمر الشعبي العام"، حيث تصدرت هذه العبارة موقعي سبأ نت التابع لوكالة الأنباء اليمنية سبأ، وموقع المؤتمر الشعبي العام.
تصريحات القربي هذه جاءت في ثنايا حوار أجرته معه صحيفة العرب القطرية، وأعادت نشره الصحف اليمنية، وكان مضمون رده عندما سؤل عن خيار الفيدرالية هل هو مطروح للحوار عليه قال: "هذا من الأمور المطروحة للحوار".
لكن القربي وفي تصريحات طلبت منه لصحيفة الجيش أرجع ما نشر عنه بأنه غير دقيق، وقال: "إن ما أقصده أن بعض الأطراف التي قد تتبنى هذا المفهوم يمكنها أن تشارك وتطرحه ضمن الحوار الوطني لكن ذلك ليس معناه قبول المؤتمر الشعبي العام أو الحكومة بهذا الطرح مطلقا".
القربي الذي لايبدي تخوفا من الفيدرالية قال إن هذا الموضوع يتطلب دراسات تفصيلية لفهم هذا النظام وتطبيقه في العالم، مشيرا إلى أنه لا يتناسب مع ظروف وأوضاع اليمن".
وعلى كل فإن "الوحدة الفيدرالية لليمن" عندما ظهرت فكرتها من قبل حزب رابطة أبناء اليمن في الثامن من يونيو العام الماضي ووجهت بتشدد من قبل السلطة والحكومة، كما قابلها تحفظ من قبل اللقاء المشترك وعلى رأسه التجمع اليمني للإصلاح الذي لم يناقش هذا المقترح تماما.
لكن الموقف المبدئي نحو وحدة فيدرالية لليمن بدأ يتحرك قليلا مع استمرار الحديث عنها والضغط باتجاهها، وبدأ المقترح يأخذ طريقه للدراسة من قبل أحزاب المعارضة اليمنية التي ترى أن وحدة 1990 قد فشلت بفعل السياسات الخاطئة.
الحكومة حتى الآن تبدي تمسكها بموقفها الرافض للفكرة، ككثير من المقترحات التي ترفضها عندما تطرحها قوى المعارضة اليمنية، وعندما تجد ضوءا أخضرا بالقبول لا تتباطأ في امتداح تلك الفكرة، مالم تعتبرها منجزا تاريخيا بدلا من أن كانت خطا أحمرا وخيانة وطنية.
ارتداد
الحكومة تتخذ حاليا موقف الصمت إزاء هذه الفكرة, ودليل على ذلك تصريح القربي الخميس الماضي الذي أكد أن فكرة الفيدرالية بحاجة إلى دراسة، دون أن يبدي رفضه لها.
لكن هذا الصمت يتعارض مع تصريحات سابقة لاترى حتى مجرد دراسة الفكرة، حيث كان رئيس الجمهورية قال إن "الفيدرالية ارتدادا عن الوحدة الاندماجية التي تعد الأسبق".
وقال: "كان من المفترض أن يبحث مفهوم الفيدرالية قبل إعادة تحقيق الوحدة الاندماجية، وبحيث نبدأ بالوحدة الفيدرالية وصولا إلى الوحدة الاندماجية".
وأضاف "أما الآن وبعد أن مضى على هذا المنجز الوطني والقومي المشرف عقدين من الزمان فإن مثل هذه الأطروحات تعتبر ارتدادا عن الوحدة الاندماجية التي تعد الأسبق، فالوحدة وجدت لتبقى مهما كانت الزوابع أو التحديات".
أما عبدالله غانم رئيس الدائرة السياسية للمؤتمر الشعبي العام فقد أعلن رفض المؤتمر للدعوات المنادية بالفيدرالية في اليمن واصفاً إياها بأنها " فخ ينصب لليمنيين كي يقعوا فيه لأنها آخر خطوة قبل الانفصال ."
وقال: غانم "إن الشعب اليمني سبق ورفض الفيدرالية"، مذكراً بفشلها في جنوب الوطن سابقاً.
وقال: لقد جربنا الفيدرالية في جنوب الوطن بإشراف الاستعمار البريطاني في عام 58 59م، وفشلت هذه التجربة، والشعب اليمني رفض الفيدرالية ووقف إلى جانب سلطة الدولة البسيطة.
غانم الذي يعد احد ابرز القيادات الوطنية التي صاغت دستور اليمن ،وشغل منصب وزير للشؤون القانونية سابقاً أضاف أيضاً أن: الدخول في مخاطرة مثل الفيدرالية محفوفة بالمخاطر ويمكن ان تفشل منذ أول وهلة، الدولة البسيطة هي السائدة في الفكر السياسي العربي ولا يوجد لهذه القاعدة السائدة إلا استثناءات قليلة محكومة بقدرها وظروفها الذاتية الخاصة وهي لا تنطبق مع إمكانات وظروف الشعب اليمني.
ولم يبتعد عن التشكيك في نوايا من أطلقوا هذه الدعوة، واعتبر أن الدعوة إلى الفيدرالية هي دعوة مشبوهة وقال: إن "الدعوة لهذه الفيدرالية مع الأسف لم تأت إلا من أولئك الذين سبق لهم أن أعلنوا الانفصال وشاركوا فيه، وهذا يشير إلى أن هناك نية مشبوهة وراء الدعوة إلى الفيدرالية وربما تكون كما قلت سابقا الإجراء قبل الأخير المؤدي إلى الانفصال".
وأكد غانم أن مشاكل الشعب اليمني متمثلة بالفقر والأمية وفي التعصب القبلي والمناطقي، وهي مشاكل لا تحلها الفيدرالية ولا حتى تقترب من حل هذه المشاكل .
رئيس الحكومة علي محمد مجور اعتبر أن الدعوة إلى "ما تسمى الفيدرالية" صوت نشاز.
وقال: إن أصحاب الأهواء النرجسية قد ذهبوا بعيداً في تقديراتهم لمجريات الأحداث وهاهي من وقت إلى آخر تبرز أصوات نشاز متحدثة عما تسميه بالفيدرالية أو الكونفدرالية متناسية أن الشعب قد عبر عن إيمانه بالوحدة في استفتاءات عبرت عنها دورات الانتخابات المتتالية الرئاسية والبرلمانية والمحلية.
ويرى أحمد الصوفي عضو اللجنة الدائمة لحزب المؤتمر الشعبي العام الحاكم أن الفدرالية لم تعد صالحة في ظل الأوضاع الراهنة.
وقال "كان من الممكن تطبيق الفكرة في عام 90 حينما تحققت الوحدة لكن الآن يتعذر ذلك لاختلاف التجربة والأشخاص وتراجع معدلات التنمية الاقتصادية في الجنوب وقلة الوعي في الشمال".
وأضاف أن "نجاح الفدرالية يحتاج إلى ضوابط تتمثل في مقدرات اقتصادية كبيرة لكل إقليم قادرة على التكامل مع مكونات الاقتصاد الوطني الأم.. نحن لم نستطع إدارة دولة بسيطة فما بالك بدولة مركبة كما هو الحال في الفدرالية".
واعتبر نصر طه مصطفى أن ما يثير الاستغراب اليوم أن يقع "أناس نحسبهم راشدون في فخ اعتبار (الفيدرالية) خيارا مطروحا لمعالجة الإشكاليات القائمة وآخرهم جماعة الإنقاذ أو التشاور، وهي زلة كبيرة وخطأ لا يغتفر لعدة أسباب منها أنه يفترض بهم أنهم يدركون أن المشكلة ليست في الوحدة بل في الأخطاء التي حدثت ويمكن أن تحدث في أي مجتمع".
وقال إن هذا الخيار مضاد لعجلة التاريخ ومحاولة لإرضاء تيار الحراك الانفصالي وليت هذا التيار رضي عنهم بل إنه على العكس وجه لهم انتقادات حادة إلى أقصى الحدود.
واعتبر من الأسباب أيضا "أن حال من عاد عن الوحدة الاندماجية إلى الاتحاد الفيدرالي كمن قرر أن يحول عقد قرانه الشرعي الصحيح إلى عقد زواج مؤقت وهذا لعمري ما لم يحدث من قبل ولا أظنه سيحدث إلا عند كل من افتقد للرشد والحكمة وأبسط قواعد فقه الشرع والحياة والسنن".
كامل الصلاحيات
لكن السلطة التي ترفض الليبرالية كحل لا تمانع في حكم محلي واسع الصلاحيات أو كامل الصلاحيات.
واعتبر الدكتور عبدالكريم الإرياني أن الانفصال سيبدأ بفيدرالية، مؤكدا أنه ضد الفيدرالية، وأنه مع الحكم المحلي، السلطة المحلية، سمها ما شئت، لكن الفيدرالية شيء ثان، فهناك دستوران تقريبا وجيشان، لهذا يبدأ الأمر بالفيدرالية وينتهي بالانفصال، وعلى الذين ينادون بالفيدرالية ألا يتوقعوا أننا مغفلون . . على الأقل أنا .
وشدد الدكتور عبدالكريم الإرياني المستشار السياسي لرئيس الجمهورية على ضرورة الحديث عن الحكم المحلي كامل الصلاحيات، مستندا في تصريحه هذا إلى خطاب رئاسي في عدن العام في 2008 دعا فيه إلى حكم محلي كامل الصلاحيات، وقال إن ذلك يعني أن لا يكون أي قانون مركزي يتنافى مع هذا.
الدكتور صالح باصرة وزير التعليم العالي يرى على سبيل المثال "أنه ليس عيبا أن يكون هناك نظام فيدرالي" في اليمن، مشيراً -خلال مشاركته بورقة عمل في ندوة نظمها قسم العلوم السياسية بجامعة صنعاء نهاية الأسبوع الماضي- إلى أن ذلك لا يعني أن الدولة تقزمت، ويمكن أن "نسميه حكماً واسع الصلاحيات"، وفيما أكد الدكتور باصرة خلال الندوة التي جاءت بعنوان (تحديات الوحدة اليمنية وسبل مواجهتها)، على ضرورة احترام أبناء كل محافظة لإدارة أنفسهم، حتى عسكري المرور لابد أن يكون منهم، حذر من التأخر في حل المشكلة، وقال: كلما تأخر الحل كلما كان الثمن باهظاً.
خيارين
مستشار الرئيس الدبلوماسي السابق محمد سالم باسندوة ورئيس اللجنة التحضيرية للحوار الوطني حاليا، كان قد سبق مبادرة حزب رابطة أبناء اليمن بدعوته لإقامة حكم فيدرالي، كبديل لفشل الوحدة الاندماجية، مشيراً إلى أنه ليس أمام اليمن سوى خيارين للخروج من المشكلات الراهنة: "أن نسعى للأخذ بنظام حكم محلي كامل وليس واسع الصلاحيات، والخيار الآخر: تقسيم اليمن إلى خمس أو ست أو سبع مقاطعات فيدرالية تتمتع كل منها بالحكم الذاتي".
لكن باسندوة اشترط عدم تقسيم اليمن إلى مقاطعتين فيدراليتين: بحيث يصبح الجنوب مقاطعة فيدرالية والشمال مقاطعة فيدرالية، "لأن ذلك سيجعل الانفصال ممكنا في اليوم التالي"، حسب اعتقاده، لافتاً إلى "أن السلطة نفسها ليست مقتنعة بحكم محلي كامل الصلاحيات للأسف الشديد".
واعتبر الناطق الرسمي السابق لأحزاب اللقاء المشترك نايف القانص الفدرالية هي الحل الأمثل لقضية الجنوب، وأكد أن أغلبية الدول الاتحادية في العالم حققت نجاحا بعيدا حينما أخذت به كألمانيا والهند.
وفي حديث للجزيرة نت أشار إلى أن صيغة الفدرالية تقترح حكما محليا ذا صلاحيات واسعة وتقسيم الثروة بصورة عادلة ومراعاة العوامل الجغرافية والمذهبية بحيث تعبر عن مزيج واندماج متكامل بين الإقليمين.
ويؤكد عضو اللجنة المركزية للحزب الاشتراكي أنيس حسن يحيى أن اليمن في هذه المرحلة في أمس الحاجة إلى الفدرالية واعتبرها دعما للوحدة لأنها تؤكد على المواطنة المتساوية والتوزيع العادل للثروة.
من جهته يقول الدكتور ياسين سعيد نعمان، الأمين العام للحزب الاشتراكي اليمني إن الوحدة الاندماجية فشلت في اليمن كما فشل التشطير، وأن الفيدرالية موضوعة من قبل اللجنة التحضيرية للحوار الوطني، معتبرا "أن اللامركزية السياسية هي الحاملة للوحدة وتحقق الشراكة الوطنية الديمقراطية لكل أبناء الوطن.
الدكتور عبدالوهاب محمود رئيس المجلس الأعلى للقاء المشترك، قال: إن مشروع اللقاء المشترك لحل المشاكل السياسية في اليمن، يحتوي على حلول عديدة، منها أن تكون الفيدرالية هي الحل لإخراج اليمن من أزمته السياسية الحالية.
عرقيات
ويرى الصحفي نبيل الصوفي أن متطلبات الفدرالية من عرقيات وقواعد شعبية عريضة ومتعددة غير موجودة.
وقال :الفدرالية تحل مشكلات المجتمعات ذات الصراع الأفقي واليمن تعاني من أزمة سياسية تحتاج إلى حل عبر حوار سياسي جاد يتطرق إلى قضايا محل الخلاف".
نجيب قحطان الشعبي قال إن الفيدرالية تنسف الوحدة، فالفيدرالية نظام اتحادي وليست وحدة.
ونفى الشعبي أن تكون مصر وسوريا توحدتا اندماجياً، وقال إنهما اتحدتا فيدرالياً وكان هناك مقر للحكومة المركزية في القاهرة.
لكنه يرى أن الفيدرالية ليست سيئة لو تم الأخذ بها قبل الأخذ بالوحدة الاندماجية اليمنية.
وأيد رأي رئيس سياسية المؤتمر الشعبي العام في أن تطبيق الفيدرالية على الجمهورية اليمنية يعد خطوة على طريق الانفصال وذلك بالنظر إلى ما يدور في الساحة اليمنية منذ سنوات، أما إذا جاءت الخطوة الفيدرالية في ظروف جيدة وفي ظل استقرار سياسي وامني فلن تكون خطوة نحو الانفصال.
وكان حزب رابطة أبناء اليمن أصدر مبادرة دعت إلى الأخذ بالنظام الاتحادي الفيدرالي - نظام الدولة المركبة، خلاله كون التنمية الشاملة أسرع وتيرة وأعلى نسبة في ظل اللامركزية، حيث تنتقل جميع الصلاحيات والسلطات المركزية، إلى حكومات وسلطات الوحدات المحلية.
كما دعت إلى اعتماد نظام المجلسين التشريعيين المنتخبين بما يحقق التوازن الحقيقي، واعتماد نظام الانتخابات بالقائمة النسبية، حيث يتحول الوطن إلى دائرة واحدة بالنسبة لمجلس النواب، وتتحول كل وحدة محلية إلى دائرة واحدة بالنسبة لانتخابات مجلس الشورى وانتخابات المجالس المحلية.
وقد خصص مجلس التضامن الوطني ندوة لمناقشة هذه المبادرة في 30 مارس 2010 أقام مجلس التضامن الوطني بعدن ندوة ناقشت رؤية حزب رابطة أبناء اليمن حول الوحدة الفيدرالية، حيث أقيمت الندوة برعاية فرع مجلس التضامن الوطني قطاع عدن أبين لحج.
وتحدث في الندوة يحيى الجفري رئيس الدائرة السياسية لرابطة أبناء اليمن "رأي" عن هذه الرؤية، حيث أكد أن الرؤية تأتي تفاعلا مع تطور الأحداث في المنطقة والعالم.