تتسع دائرة العنف في عدد من محافظات الجنوب باتجاه رأسي منذ عدة أشهر بعد تقلص نطاق العنف في مدينة زنجبار وحوطة لحج ليستوطن مدينة الضالع ومدينة الحبيلين والطرق المؤدية إلى المدينتين وإليهما فبالأمس القريب في يوليو الماضي شهدت مدينة زنجبار عاصمة محافظة أبين أعمال عنف وتخريب وصلت أعلى بشاعتها بتاريخ 23يوليو الذي شهد مصادمات بين أنصار الحراك الجنوبي وقوات الأمن التي تواجدت لحماية المدينة من أعمال التخريب التي سبق لأنصار الحراك القيام بها ولكن غلبت لغة السلام التي نادى بها طارق الفضلي إلى لغة الموت التي بدأت بإحراق سيارة تابعة للشرطة لقوات النجدة لتؤدي إلى صدام مسلح كانت نتائجه مأساوية على 21أسرة يمنية فقدت عائلتها في الحادثة ، وعلى جثث أولئك الشهداء ظل الحراكيون الجدد يرقصون رافعين القضية الجنوبية كقضية حقوقية دون تأنيب الذات بدفع عشرات الأبرياء الذين ليس لهم قضية مع الوطن بقدر الحياة المعيشية وشظف العيش قضية كل المسحوقين في هذا الوطن الذي يعيش في أسوأ مراحله التاريخية سياسياً واقتصادياً ورغم كارثية نتائج مهرجان الخميس الدامي ومسئولية الحراكيون الجدد عنها كونهم دفعوا أولئك الأبرياء إلى التهلكة إلا أنهم اتخذوا من تلك الجثث مبرراً لأعمال العنف والتخريب وتحريض آلاف المواطنين ضد أنفسهم وأمنهم الاجتماعي وحقهم في حياة مستقرة آمنة ووسيلة إقناع معمدة بالدم لحشد المزيد من الأنصار للبحث سوياً عن قضية .
.

انحراف وانجراف
انحراف مسار النضال السلمي قابلة في الضفة الأخرى انحراف مسار القيادات الحراكية التي تغيرت مواقفها على مدى الفترة الماضية ففيما استحوذ الشيخ / طارق الفضلي خلال يونيو حتى يناير الماضي على الساحة الحراكية وأضحى الرجل الأول في نظر الكثيرين وهو ما أثار حفيظة قادة الفعاليات الحراكية الأربع ابتداء بحركة نجاح التي يتزعمها د/ ناصر الخبجي وصلاح الشنفرة, والمجلس الوطني الذي يتزعمه حسن باعوم وأحمد المعلم الذي أطلق سراحه مؤخراً من السجن المركزي وهو برلماني سابق, كما أثار دور الفضلي كلا من قادة ما تسمى بالهيئة العليا للحراك الجنوبي لتحرير الجنوب والتي يرأسها القيادي المعروف بنضاله السلمي وبعقلانيته مطالبة ناصر النوبة وكذلك هيئة الحراك الديمقراطي التي يرأسها القيادي صالح يحيى, وهي مكون لم يعرف دورها ولم يتجاوز حدود السم فقط تلك المكونات وجدت نفسها في هامش العمل الحراكي في ظل اتساع نطاق دور الفضلي كشخص وهو ما أصاب الحراك الجنوبي بداء الشخصنة والتي ساهمت بشق الحراك من الداخل الذي ظل بعيداً عن الأضواء الإعلامية إلا أن خلافات الفضلي والخبجي جسدتها احتجاجات الحراك خلال أكتوبر وديسمبر ويناير ومرت تلك الخلافات بمرحلة تهيئة وأعداد دقيقة من قبل حركة نجاح وقادتها الذين استخدموا الدعاية السوداء لإقناع أنصار الحراك الذين اندفعوا خلف شعارات طارق الفضلي التي كما قيل رفعت الطموحات من حق استعادة الحقوق وإصلاح أخطاء الوحدة إلى حق المصير وفك الارتباط فاتسع الشرخ تدريجياً وتصاعدت أجواء عدم الثقة بطارق الفضلي وانتقلت الصراعات الحراكية من نطاق السرية والكتمان إلى النطاق المكشوف حين أعلن طارق الفضلي على رفع الأعلام البريطانية والأمريكية في الاحتجاجات خصوصاً في الحبيلين والضالع, وهو ما أثار ردود أفعال غاضبة من قبل أنصار الحراك الذين انشقوا في قالبين أحدهما شهداء الحراك إلى نصفين أحدهما مع الفضلي والآخر مع الخبجي والشنفرة ذلك الانشقاق ساهم في إفشال العديد من الاحتجاجات إبان نوفمبر الماضي كما عمل على عودة الهدوء إلى الساحة في الضالع والحبيلين والعامل الأهم في ذلك خروج جماعات الحراك عن سيطرة وضبط قيادة الحراك الجنوبي مما أدى إلى تفاقم أعمال العنف والتقطع ونهب الممتلكات العامة والخاصة في لحج والعسكرية والحبيلين والضالع وبعض مناطق أبين فيما نجحت التهدئة في المكلأ وشبوه التي شهدت أعمال عنف متقطعة خلال الفترة الماضية .
عواصف راسية
تصاعدت أعمال العنف خلال الأشهر السبعة الأولى التي أعقبت يونيو الماضي تركت في كلا من زنجبار عاصمة محافظة أبين والحوطة عاصمة محافظة لحج ومدينتي الضالع والحبيلين مع اختفائها في المكلا وعدن .
المدينتين اللتين كانتا مسرحاً لأعمال الحراك السلمي الحقوقي الذي قاده ناصر النوبة وحسن باعوم خلال 2006-2008م بأسلوب ديمقراطي ولم تتجاوز سقف الثوابت الوطنية وكان أنصار موجة الحراك الأولى المتقاعدين العسكريين كما شهدت الأشهر السبعة الأولى التي أعقبت يونيو الماضي تغييرات رأسية في القيادات والمواقف وأهم تلك التغييرات المفاجئة, سقوط أسطورة الشيخ / طارق الفضلي، وتعرض نائب الرئيس الأسبق علي سالم البيض لسيل من الاتهامات التي ألقتها العديد من القيادات الحراكية في ردفان وأبين والضالع والتي من أهمها فشل البيض في توحيد صف معارضة الخارج وتدويل القضية من جانب, وفشله في تقديم أي جديد على مستوى الحراك الجنوبي الذي شهد عدة اختلالات وانشقاقات بعد خروج البيض, تلك الانتقادات بعدم جدوى البيض وعدم قدرته على مواكبة العصر وتفكيره بعقلية التسعينات التي ألقاها رئيس حركة موج في الداخل قبل عدة أشهر انتقلت إلى اتهامات وجهت للبيض بتسببه بشق الحراك من الداخل وعلى لسان ناصر الخبجي الذي وجه صفعة قوية للبيض معتبراً إياه لا يمثل القضية الجنوبية وتمثيله لها في الخارج غير شرعي, الجدير ذكره أن البيض شكل حزباً سياسياً معارضاً في ألمانيا وأعلنه قبل شهر وهو ما جعله أبعد عن الحراك الجنوبي.. اختفاء الفضلي وفشله في إعادة إنتاج نفسه كحامل للقضية الجنوبية صعد طاهر طماح إلى السطح باسم القوة والعنف ،طماح الذي شكل كتائب مسلحة تحت مسمى “ سرو حمير” حاول أن يسد الفراغ بالعنف حيث تبنى تنفيذ عدداً من حالات الاختطاف لمدنيين ظناً منه أنهم عسكريون مطالباً بإطلاق سراح معتقلين اثنين تلا تلك العملية اختطاف مواطنين قيل أنهم ضباط وتبين غير ذلك وتم اختطاف تاجر” عبدالسلام الدهيش” من محافظة إب الاثنين قبل الماضي وسلب كل ما يملك بالإضافة إلى سيارة نوع “ دينا “ بكل ما تحمله وكما تبنت كتائب ما تسمى سرو حمير 20 مايو مهاجمة عدد النقاط العسكرية والآليات ورغم اضطراد عملياتها التخريبية التي هدأت نسبياً إلا أنه لا زالت تشكل خطراً على أمن واستقرار الحبيلين.
الحراك من الداخل
لم تتولد قناعة لدى قيادة الحراك الجنوبي بأن النضال السلمي بات مستحيلاً فمضمون خطابات الخبجي والشنفرة والبيض والعطاس تؤكد على سلمية الحراك إلا أن تصدع الجبهة الداخلية للحراك وفقدان الأخير قدرته على الضبط والسيطرة وتنفيذ برامجه الاحتجاجية كشفت بعداً آخر من أبعاد العمل السلمي لأي حركة وهو هشاشة مكونات الحراك وافتقارها للتنظيم الهيكلي المتماسك وتدني القدرات القيادية للحراك وتشتت مصدر القرار وصانعه وهو ما حمل دوامة العنف تمر بدورة حياة وتتجاوز كل التزامات قادة الحراك نحو العمل التنظيمي ونحو اتفاقيات التهدئة وما يدل على ذلك فشل الوساطات والاتفاقات التي يبرمها قادة الحراك مع شخصيات حكومية وعسكرية ولعل آخر تلك الاتفاقيات اتفاق العميد / ثابت دواس الشخصية العسكرية الشهيرة مع الدكتور / ناصر الخبجي قبل أسبوعين والتي تمحورت حول المظاهر المسلحة من مدينة الحبيلين والجنوح إلى السلام إلا أن التزامات الخبجي رفضها الطابور الرابع في الحراك الذي صعد من الأعمال التخريبية غير مكترث ببنود الاتفاق وكأن الأمر لا يعنيه ليس لقناعته بأن الجنوح إلى التهدئة أصبح غير مجدٍ وإنما لتقويض فرص السلام واستبدالها بالعنف فتلك المؤشرات تدل على أن شعار فك الارتباط قد تجسد فعلاً بين كيانات الحراك وأنصاره وهنا يكمن الخطر الحقيقي وينقلب السحر على الساحر حيث استطاع قادة الحراك الجنوبي تهييج الشارع وفشلوا في السيطرة عليه مما جعل المصالح العامة والخاصة والطرقات والمواطنين وممتلكاتهم عرضة للعنف الذي لا دافع له سوى التجني على الآخرين