حوارات الوزير والسفير السابق عبدالوهاب الروحاني لـ« الميدان »: مؤتمر لندن سيخدم الخارج.. وانضمامنا للخليج لن يتم
قضايا كثيرة ومهمة تحدث عنها في هذا الحوار الدكتور عبدالوهاب الروحاني – وزير الثقافة سابقاً وعضو مجلس الشورى حالياً – بلغة انتقادية وبشفافية عالية قد لا توحي بأن الرجل مازال قيادياً بالحزب الحاكم – في بلد كاليمن – ولكنها حتماً تشير إلى أنه من النوع الذي يتحدث بعقلانية ومسئولية ويوجه انتقادات هادفة بعيداً عن المزايدات والمصالح الضيقة.. وإلى الحوار :
حاوره : فوزي عبدالله
< أولاً نريد معرفة قراءتك للأوضاع الجارية في البلد بصفتك محللاً سياسياً ومطلعاً على الكثير من الشئون العامة ؟
<< الأوضاع في البلد أصبحت بحاجة إلى جهد كبير من الجهات الرسمية والقوى الوطنية والاتجاهات السياسية بأطيافها المختلفة ويجب التركيز على ما يجب عمله وكيف يتم وضع أسس للانطلاق ومعالجة همومنا وقضايانا سواء كانت سياسية أو اقتصادية أو اجتماعية خاصة وأن اليمن أصبحت في الآونة الأخيرة تحت المجهر مجهر الأصدقاء والأعداء على حد سواء ونحن نخشى بالتالي إذا تفاقمت هذه المشاكل والأزمات وبالذات المشكلة الاقتصادية والوضع المعيشي والانفلات الأمني أن يعود إلى مخاطر لا تحمد عقباها ..
< يعني أنت مع الرأي القائل بأن المشكلة الاقتصادية هي الأخطر من الحوثيين ومما يحدث في المحافظات الجنوبية ؟
<< أصلاً أساس المشكلة في اليمن هي اقتصادية ومالية وإدارية ولو أحسن إدارة المال والاقتصاد والإنسان المعلومة لأمكن لهذا البلد من وقت مبكر أن يتجاوز مشاكله ، الناس الآن يجمعون على أن هناك مشكلات في الدولة وهذا الفشل نحن نتحمل مسئوليته وعلينا أن نعترف بوجود قصور في أدائنا وعلينا أن نلتمس سبل معالجته حتى نتمكن تجنيب أنفسنا المزيد من المخاطر المتوقعة .
< من بالضبط المسئول عن هذا الفشل في إدارة الدولة؟
<< المسئولية مشتركة بين الدولة والمجتمع لكن المسئولية الأكبر تقع على عاتق الدولة لأنها هي التي تدير البلد وتتصرف في إمكانياته وهي التي تضع رؤى واستراتيجيات للبلد وتصريف شئونها .
< وهل مازال لدى الدولة مجال أو قدرة على إيجاد حلول لمشاكل وأزمات البلد ؟
<< ولماذا لا .. إذا ما ارتضينا جميعاً بأن نلتقي ونتحاور ونقبل بالآخر فكل شيء ممكن .. لكن أن نختلف مع الجميع ونريد أن يوافقك الجميع وتستبد برأيك وتتمنى أن تعالج مشاكلك ... طبعاً غير معقول .. في الوقت الذي فيه النظام القائم على أساس التعددية السياسية بمعنى أن النظام السياسي شرعيته قائمة على القبول بالآخر فنحن في المؤتمر الشعبي العام كحزب حاكم يجب أن يتعامل التنظيم بصدر رحب مع كل القوى والتنظيمات السياسية ومع كل أطراف المشكلة اليمنية سواء كانت في الحراك أو في صعدة أو في المسألة الاقتصادية والمالية أو كانت في الفساد الذي ينخر في مؤسسات الدولة .
< كلام جميل .. ولكن هذا قد ينطبق على العلاقة بين السلطة والمعارضة .. أما بالنسبة للتمرد في صعدة والحراك الجنوبي فيقال أن هناك مشاريع من الصعب التحاور حولها .. فما رأيك أنت ؟
<< أنا في رأيي أنها كلها لن تحل إلا بالحوار والسؤال الأهم لماذا برز الحراك ومن أين أتى وما هي أسبابه لا بد من العودة لقراءة الأسباب التي أدت لظهور الحراك ... حيث بدأ كحركة مطلبية ثم تحول إلى حركة سياسية ثم حركة تطالب بالانفصال وفك الارتباط فما هو السبب ؟ السبب هناك فساد وفوضى في الإدارة .. هناك خطأ في التعامل مع القوى الاجتماعية الجديدة التي تم جلبها بعد الوحدة وفرضها على مناطق بعينها وتوسيع الفوارق بين الناس .. ولهذا ظهرت مشكلة الحراك وتفاقمت .. ثم رغم ذلك لم نعترف أن هذه المشكلة موجودة وهناك تصرفات خارج إطار القانون وخارج إطار القيم والأخلاق وهذه تصرفات غير مقبولة .. ونفس الشيء بالنسبة للمشكلة الاقتصادية .. وكذلك مسألة الفساد .. هناك كفاءات وطنية مثقفة ولديها خبرة تم تجنيبها عن إدارة المؤسسات وإدارة المال العام وإدارة الاقتصاد وتحولت الوظيفة العامة إلى رشوة حيث يتم البحث في مؤسسات وإدارات الدولة عن مواقع لتقديمها كرشاوي لأشخاص أو كترضيات بدلاً عن الكفاءات الجيدة لوضع الشخص المناسب في المكان المناسب وللأسف تحولت الكثير من مؤسسات الدولة إلى دكاكين كلاً يتصرف فيها كما يريد فلا توجد رقابة ولا ضوابط وحتى لو وجدت رقابة تفضح بالأرقام والحقائق الممارسات غير القانونية فإنه يتم التعاطي معها وفقاً لقضايا شخصية وارتباطات فردية بالأشخاص وليس بالمؤسسات .. والناس الذين وجدت الدولة من أجلهم يراقبون ذلك ويترتب عليه بالتالي تبرم فضلاً عن أن الوظيفة العادية تباع اليوم بخمسمائة ألف والجهاز المركزي للرقابة يعرف ذلك مثلما يعلم به أيضاُ هيئة مكافحة الفساد ومختلف أجهزة الدولة وقياداتها ومخرجات التعليم تتراكم سنوياً دون وجود وظائف تستوعبها مما يؤدي إلى احتقانات متراكمة أيضاً ...
< هل تضم صوتك إلى من يقولون أن اليمن أصبحت دولة فاشلة وباتت قاب قوسين أو أدنى من الانهيار الشامل ؟
<< نحن دولة فاشلة وفقاً لوجهات نظر محللين سياسيين واقتصاديين ومنظمات دولية معنية بالشأن اليمني ومن المؤسف أن نصل إلى هذا المستوى والفشل بالتأكيد له أسبابه ومن ضمنها غياب الإدارة الكفؤة للمال العام .
< الأسبوع الماضي أصدر مركز دراسات روسي شهير تقريراً عن اليمن أشار فيه إلى أن نظام الحكم باليمن يوشك على الانهيار وأن هناك قوى أخرى تتوثب للحلول مكانه فما تعليقك ؟
<< أنا قرأت التقرير ، وهنا تظهر المشكلة وهي أننا لا نفكر ببناء دولة وفقاً لمعايير وأسس سليمة وإنما نحن نفكر ببناء أشخاص وهذه ثقافة للأسف اجتريناها من الماضي وهي ثقافة إمامية متخلفة، نحن بحاجة إلى أن نركز على بناء الدولة وبناء المؤسسات وبناء مجتمع حديث ومتطور قادر على بناء السيادة الوطنية وحماية السيادة هي أيضاً في حماية الإنسان وليس في حماية الحدود فقط وهي في أعمال النظام والقانون في التعامل مع كل صغيرة وكبيرة وهي في تحقيق العدالة والمساواة بين الناس وفي توزيع الثروات والإمكانات في إطار شراكة الوطنية حقيقية وأنا أتفق مع من يطرح بأن البرنامج الاستثماري الذي يتم إقراره سنوياً في مجلس الشورى يدخل ويخرج إلى المجلس دون أن يناقش .. وتلك البرامج الاستثمارية لا توزع بعدالة على المناطق وعلى المحافظات ووفقاً للاحتياجات وإحصائيات رسمية تحدد الاحتياجات لأي منطقة من عدمها ...
< وكيف يتم توزيعها إذاً ؟
<< هي غالباُ لا توزع . ويعتمد توزيعها على الوساطات وعلى من يأتون بتوجيهات وأوامر . ونحن بحاجة أن نسير باتجاه آخر .
< لوعدنا إلى التقرير الروسي برأيك هل القوى التي أشار إليها ستأتي من داخل النظام أم من خارجه ؟
<< نحن نبحث عن معالجات من الداخل وهذه المعالجات لن تأتي إلا بالحوار الذي يستوعب كل الناس ويناقش كل القضايا .
< يادكتور عبدالوهاب يبدو أننا تجاوزنا مرحلة البحث عن معالجات وأصبحنا أمام مرحلة جديدة ستشهد متغيرات كبيرة كما جاء في التقرير ؟
<< (مقاطعاً) لا ... لا ... ليس الكلام على هذا النحو فعلينا أن نهتم بمشاكلنا أولاً في السلطة والمعارضة ثم علينا أن نتنازل لبعضنا لأن الحوار يتطلب اعترافات بالآخرين ثم الاتفاق معهم على ماذا نتحاور وما هي الأجندة التي يجب الاتفاق عليها ثم لا بد من تحديد آلية لتنفيذ ما يتم الاتفاق عليه في برنامج زمني محدد.
< ولكن الحوار بين السلطة والمعارضة أصبح – بحسب تقديرات البعض – لعب في الوقت الضائع ؟
<< معليش ، وأنا أرى أن الوقت لايزال مواتياً ولكن الحوار الحقيقي يحتاج إلى إرادة سياسية قوية من قبل الجميع وحرص على المصلحة الوطنية والحرص على إنقاذ البلد والسير به نحو التنمية لأننا الآن أصبحنا في اليمن على الهامش ولم نعد نتعاطى إلا مع السيئ في محيطنا الجغرافي ...
< وإذا لم يحدث حوار جاد بين السلطة والمعارضة فما هي البدائل ؟
<< البديل هو الحوار ولاخيار أمام الجميع إلا الحوار...
< ولكن الظاهر حتى الآن أن كل طرف يمضي في حوار خاص به ولا ندري إلى أين سينتهي ؟
<< معليش ... نجمع الآراء التي تم بلورتها في كل حوار وتلتقي كل الرؤى مع بعضها ونناقشها ويتم التحاور حولها ونوجد قواسم مشتركة ونترك ما نختلف عليه جانباً
< يوجد أيضاًُ عقد وحفر كثيرة في طريق الحوار بين السلطة والمعارضة فكيف يمكن تجاوزها ؟
<< كل طرف له شكواه وتجاوزاته وخروقاته ولكن علينا الوقوف على ما نحن عليه الآن وماهو واقع فقد أصبح واقعاً لكن بالمقابل لابد من تقديم تنازلات ...
< المعارضة تقول أن هناك تياراً أو أطرافاً داخل السلطة تعرقل الحوار دائماً فما مدى صحة هذا من عدمه ؟
<< والسلطة لها اتهامات مشابهة وكلاهما في هذه الحالة لا خيار لديهما إلا التلاقي والحوار .
< بالنسبة لمؤتمر لندن - هناك ترقب واضح من مختلف الأطراف اليمنية لما يمكن أن يخرج عنه أم ما يترتب عليه داخلياً فماذا تتوقع أنت منه ؟
<< اليمنيون يجب أن يحلو مشاكلهم داخلياً والرهان على أطراف خارجية لن يأتي بنتيجة وأنا أتوقع أن لا يحقق مؤتمر لندن إلا ما قد يكون لمصالحهم هم موضوعة وفق أجندة خارجية سواء كانت إقليمية أو دولية وأنا أؤكد أن اليمنيين هم المعنيون بحل مشاكلهم والحلول لا تأتي بوصفات خارجية.
< ولكن هناك من يعتقد أن ضغوط الخارج أو مساعدته قد يساهم في حل مشاكل الداخل ؟
<< معليش .. ماهو مفيد يجب أن نستفيد منه .
< بالمناسبة لقد تشكلت في الآونة الأخيرة العديد من الهيئات واللجان من أجل الوحدة وحماية الوطن ومحاربة الظواهر والسلبيات إلخ .. فهل ترى فيها جدوى ؟
<< هذه يمكن وصفها بأنها تظاهرات سياسية كما هو الحال اليوم ... المعارضة تتظاهر سياسياً والدولة تعمل بذات الاتجاه ولكن كل ذلك هو استعراض عضلات .
< وماذا عن العلاقات اليمنية الخليجية وأنت كان لك حديث هام في هذا الإطار خلال ندوة أقيمت مؤخراً ؟.
<< اليمن والخليج هما امتداد لبعضهما اقتصادياً وسياسياً واجتماعياً ومن هذه النقطة يجب أن ننطلق بعد أن نحل مشاكلنا الداخلية ..
< أحد المشاركين في الندوة وهو الكاتب السعودي خالد الدخيل قال أن المشكلة أن اليمن تتعامل مع الخليج بمنطق التهديد غير المقبول فهل هذا صحيح ؟
<< صحيح .. نحن لدينا فقر ووضعنا الاقتصادي يتفاقم ونحن نقول لهؤلاء إذا لم تتداركوا هذا الحال فالوضع سينفجر وأنتم ستتحملون نتائجه .. وأنا أتفق معه ولكن يفترض أن نهدد الآخرين بأننا سنحل مشاكلنا وليس نهدد الآخرين بأن مشاكلنا ستتفاقم وتتسع وتصيب الآخرين بالأذى .
< أنت قلت في الندوة أن علاقتنا بالدول الخليجية لا يفترض أن تكون علاقة تسول فما دعاك لذلك ؟
<< نعم.. نحن جميعاً في اليمن ندعو إلى انضمام اليمن إلى مجلس التعاون الخليجي ولكن النظام الأساسي لمجلس التعاون الخليجي مغلق على أعضاء المجلس الستة أولاً وثانياً أن الوضع الاقتصادي والاجتماعي في دول الخليج مختلف تماماً .. وثالثاً هناك معايير وشروط هم يطلبونها إذا ما تم قبول اليمن بالمجلس وأنا أستبعد الموافقة على انضمام اليمن لأسباب كثيرة منها أن القناعة لدى دول الخليج بأن اليمن ليست مؤهلة وبالذات في الجانب الاقتصادي والحقيقة أننا لا يصح أن نغالط أنفسنا ويفترض أن نبدأ بتأهيل أنفسنا وبلادنا في مختلف المجالات قبل التفكير بالانضمام إلى المنظومة الخليجية ..
< سؤالنا قبل الأخير .. إلى أين وصلتم في مجلس الشورى بالتحضير لمؤتمر الحوار الوطني ؟
<< التحضيرات ماضية في عملها وما نتمناه أن تتعاطى كل الأحزاب والتيارات مع قضية الحوار وأن تقبل بالجلوس على الطاولة ليتم الاتفاق على كل صغيرة وكبيرة ..
< أخيرا ًوبصفتك وزير ثقافة سابق وإعلامي قدير كيف ترى دور الإعلام والثقافة في تحسين أو تشويه صورة اليمن داخلياً وخارجياً ؟
<< الإعلام الرسمي المرئي والمسموع والمقروء إعلام غير مواكب وفقد قدرته على المنافسة .. تصور أن هناك وسائل إعلام غير رسمية ( حزبية وأهلية ) تجاوزت هذا الإعلام لأن القوالب الجامدة التي يتم التخاطب بها مع الناس لم يعد لها قبول والإعلام الرسمي في غالبيته يتعامل بطريقة خشبية مع القضايا ويسطحها والقضايا أصبحت مرئية لدى الناس البسطاء فضلاً عن النخب والمثقفين.