تقارير فيما الداخلية تتأهب ** حادثة المعجلة بأبين تفجر أزمة يمنية جديدة
أثارت حادثة القصف الجوي لأوكار القاعدة بأبين - والتي تسببت في مقتل 48 مدنيا - استياء واسعا في الأوساط اليمنية بمختلف مكوناتها، مفجرة أزمة جديدة على مستوى الشارع اليمني وخصوصا منه المحافظات الجنوبية . ففي حين أعلنت المكونات السياسية والمدنية ومعارضة الخارج إدانتها لهذا الحادث واعتبرته جريمة إبادة، تعالت في المقابل الأصوات باللجوء إلى القوة واستخدام العنف انتقاما لمن قتلوا من المدنيين في هذه الغارات التي تقول السلطة إنها لعناصر القاعدة.
تقرير / فؤاد العلوي
موجة غضب
القصف الجوي الذي تسبب خطأ في مقتل 48 مدنيا الخميس قبل الماضي في أبين فجر موجة غضب عارمة لدى أبناء المحافظات الجنوبية، حيث شهدت عدد من المحافظات احتجاجات واسعة ومظاهرات واجتماعات متواصلة لمدارسة أساليب الرد على ما اعتبروه مجزرة بحق أبناء محافظة أبين.
وأظهر مقاتلون قيل إنهم من القاعدة تهديدات بالثأر لقتلى العملية، وهدد محمد عمير – الذي قتل في غارة جوية على شبوة الخميس الماضي المسلحون خلال مهرجان بمنطقة المعجلة “نحمل مسبحة ومع ذلك نحمل قنبلة لاعداء الله”، مؤكدا ان مقاتلي القاعدة لا يريدون العداء مع الجيش اليمني.
وفي بيان ذيل باسم “شيوخ واعيان وشخصيات أبناء قبائل الجنوب وباكازم مديرية المحفد محافظة أبين” أعلن المشائخ ما أسموه بـ “حرب بلا هوادة “ ضد النظام، متهماً إياه بالمتاجرة بـ”أرواح الأبرياء تحت دوافع محاربة الإرهاب”.
وقال البيان الصادر عن اجتماع ضم الآلاف من أبناء أبين وشبوة ومحافظات أخرى في مديرية المحفد على خلفية الغارة الجوية “إننا لن نقبل أي مساومة في دماء أطفالنا أو نساءنا مهما كلفنا الأمر وأنكم أيها الإخوة مطالبون بالوقوف إلى جانبنا بما تمليه عليكم ضمائركم بردة فعل جنوبية موحدة تجاه من نفذ وأمر بهذه الجريمة التي لم نشاهد لها مثيلا إلا في إسرائيل وان هذه الجريمة ليست قضيتنا فحسب بل أنها قضية كل أبناء الجنوب قاطبة”.
وأضاف البيان قائلاً: إن نظام صنعاء الذي وصفه بـ” المأجور والمتآمر على شعبه” أخطأ في حساباته السياسية بارتكابه لهذه المجزرة وفي هذا التوقيت وهي جناية أخرى تضاف إلى جناياته التي قتل بها الوحدة اليمنية.
وقد توافد الآلاف من أبناء محافظتي أبين وشبوة صباح الإثنين إلى منطقة المعجلة بمحافظة أبين تلبية لدعوة وجهتها قبيلة آل كازم لهم لبحث تداعيات القصف على المنطقة الذي سقط فيه عشرات المدنيين معظمهم نساء وأطفال.
كما خرج المئات من اليمنيين في محافظة لحج مسيرات حاشدة الخميس 24/12/2009م في عدد من مديريات المحافظة احتجاجا على قتل المدنيين في كل من أبين وشبوة.
ورفع المتظاهرون اللافتات المنددة بما وصفوه بالمجازر الوحشية، مطالبين الجامعة العربية والأمم المتحدة بالتحقيق في حادثة القصف.
وفي الحبيلين بردفان خرج الآلاف في مسيرة حاشدة مرددين هتافات تطالب بإطلاق معتقلي الحراك وتندد بجريمتي المعجلة في المحفد بأبين.
ورفع المتظاهرون خلالها لافتات تطالب بالإنفصال، كما رفعوا أعلام الجنوب وصورا لعلي ناصر محمد وعلي سالم البيض.
وفي إطار ردة الفعل على حادثة المعجلة بأبين نفذ مواطنون في أبين بالضالع إضرابا ليوم واحد بناء على دعوة وجهها طارق الفضلي رئيس ما يسمى بمجلس قيادة الثورة، لكن الإضراب وبحسب الصحوة نت نفذ بالقوة خوفا من عناصر الفضلي.
لكن وزارة الداخلية أعلنت أنها رفعت مستوى جاهزيتها الأمنية تحسبا لعمليات قد تنفذها عناصر القاعدة بعد الضربات الاستباقية التي شهدتها أبين وأرحب وشبوة.
فرصة لمعارضة الخارج
ومثلت عملية القصف فرصة لمعارضة الخارج للتواصل فيما بينها، وكذا الإتصال بالمنظمات لإطلاعها على حادث قصف المدنيين بأبين.
فقد أجرى علي سالم البيض نائب الرئيس اليمني السابق والذي يعد من أبرز قادة الحراك الجنوبي المؤيد للانفصال عن شمال اليمن، اتصالا هاتفيا مع الأمين العام للجامعة العربية وطالبه بمبادرة عربية لحل أزمة الجنوب.
كما دعا البيض في اتصاله إلى تشكيل لجنة عربية للتحقيق في الغارة التي شنها الطيران اليمني على قرية المعجلة في أبين.
وطالب البيض - المقيم في المنفى- بالتحرك السريع من أجل تدخل عربي لتامين الحماية لشعب الجنوب قبل أن تجد الأطراف الدولية الذرائع للتدخل في الأزمة.
من جهتهما أدان كل من الرئيس اليمني الأسبق علي ناصر محمد والمهندس وحيدر أبوبكرالعطاس رئيس الوزراء الأسبق ماوصفاه بـ “ المجزرة البشعة التي ارتكبتها السلطة في محافظة أبين.
واعتبر ناصر والعطاس في بيان مشترك لهما ما حدث في أبين بأنه “إرهابا للمواطنين الجنوبيين وهي خطيرة تنتظم مع الممارسات القمعية التي تتخذها السلطات الأمنية بقصد الإساءة للحراك الجنوبي السلمي”.
وأضاف البيان “إن حادثة المعجلة بابين تأتي امتدادا لأحداث سابقة كان الجنوب مسرحاً لها تنتظم مع الإجراءات المتعاظمة التي تتخذها السلطات باتجاه إعلان الحروب وإشعال الحرائق وعسكرة الحياة المدنية والتي يراد لها أن تمتد من الشمال إلى الجنوب للتعمية على حجم الإخفاقات السياسية والاقتصادية والعسكرية التي باتت تؤرق البلاد وتلقي بظلالها الساخنة على دول الجوار والمنطقة عموماً “.
ودعا البيان “ القوى الوطنية أن تقف موقفاً جاداً ضد هذه الأعمال الوحشية باعتبار السكوت عنها مشاركة سلبية ويوفر غطاء للسلطة لارتكاب أعمال مماثلة والتمادي في أعمال العنف والقتل التي تطال كل شرائح المجتمع”.
وانتقدا ناصر والعطاس في بيانهما “ الصمت العربي والإقليمي والدولي الذي وصفوة بـ “المثير للجدل إزاء الأحداث في اليمن” والذي والآخر يوفر الغطاء لارتكاب مثل هذه الجرائم ، مستغربين “ المواقف السلبية على اختلافها إزاء أوضاع اليمن والحرائق المشتعلة سواء في صعده أو الجنوب “.
وأكد العطاس وعلى ناصر “ أن مثل هذه الحروب والمجازر وأعمال العنف تسئ لمن قدموا المساعدة والإسناد المادي والمعنوي للسلطات التي تقوم بها”.
واعتبرا “ الإسناد الحقيقي والفاعل لليمن يكمن في دعم الحوار الوطني الشامل والكامل ودعم الحلول السلمية والعادلة التي لا تزيدها لغة العنف إلا تعقيدا “ً.
استياء رفيع
كما أثارت حادثة القصف هذه غضب مسئولين في الدولة اليمنية، دفعتهم للمطالبة بلجنة تحقيق عاجلة في الحادثة.
وأمهل مجلس النواب – ثاني سلطة في البلاد – نائب رئيس مجلس الوزراء لشؤون الدفاع والأمن الدكتور رشاد العليمي 24 ساعة لتقديم تقرير للبرلمان بشأن هذه الحادثة.
ووعد الدكتور رشاد العليمي نائب رئيس الوزراء لشئون الدفاع والأمن بتقديم تقرير مفصل عن الحادثة إلى جلسة الأربعاء 23/12/2009م، مبديا استعداد الحكومـة لتصحيح الخطأ الذي رافق العملية العسكرية ضد عناصر تنظيم القاعدة في مديريـة المحفد.
منظمات
مجلس التضامن الوطني أكبر منظمات المجتمع المدني الذي يرأسه الشيخ حسين بن عبدالله الأحمر من جهته عبر عن قلقه البالغ تداعيات عملية القصف الجوي بمحافظة أبين مديرية المحفد منطقة المعجلة والتي بررت بأنها تأتي في إطار استهداف نشطاء من تنظيم القاعدة.
وطالب بإنهاء ما وصفه بالغزل بين الحكومة والقاعدة، واصفا قصف المدنيين بالعملية الوحشية ووصف البيان ما جرى في أبين بـ”العملية الوحشية”.
وأضاف البيان “إن استهداف أياً من العناصر التي تدعي السلطة أنهم مطلوبين لديها ينبغي أن لا يكون مبرراً لترويع الآمنين وانتهاك الأعراض والدماء”.
ودعا مجلس التضامن إلى “فتح تحقيق عادل لكشف تفاصيل هذه الحادثة يشارك فيه البرلمان والمنظمات الحقوقية المحلية والمنظمات الحقوقية الدولية، وتقديم الحقائق للرأي العام لينال المخطئ والمتجاوز عقابه”.
كما دعا المجلس قبيلة باكازم – التي وقع فيها حادث القصف - إلى تحكيم منطق العقل وضبط النفس في أي ردة فعل تجاه هذا الحادث حتى تتضح نتائج التحقيق.
أحزاب
وعبر حزب التجمع اليمني للإصلاح أكبر أحزاب المعارضة اليمنية عن إدانته لما “تعرض له المدنيين العزل من قصف جوي في منطقة المحفد بمحافظة أبين والذي أودى بحياة العشرات وخلف أعداداً من المصابين”.
واعتبر الإصلاح تعرض له المدنيين العزل من الشيوخ والشباب والنساء والأطفال في ما حدث في جريمة إبادة ومن الجرائم ضد الإنسانية التي تحرمها الشريعة الإسلامية والمعاهدات الدولية وخروجاً عن الشرعية الدستورية والقانونية.
وأعلن رفضه لاستخدام العنف والقوة المسلحة في مواجهة السلطة العامة من أي جهة كانت وتحت أي ذريعة، كما عبر في الوقت ذاته عن إدانته “لانفلات زمام سلاح الدولة حسب ما تنسبه لنفسها وقتلها لمواطنيها من المدنيين العزل وقصفهم بالطيران”.
ووصف البلاغ ما حدث بحق المدنيين في المحفد بأبين بأنه عمل طائش وغير مسئول مما يوجب معه الشروع فوراً للتحقيق فيه من خلال لجنة مستقلة ومحايدة وصولاً لمسائلة ومحاكمة مرتكبة ومن أمر به.
وطالب بتعويض ضحاياه من القتلى والجرحى والممتلكات، داعياً في الوقت نفسه كل الخيرين وكل القوى لاستنكار هذا العمل وإدانته والعمل على عدم تكراره بعد أن صار ظاهره تكررت ويخشى أن يصير القتل خارج إطار القانون سلوكاً ومنهجاً وديدناً .
إلى ذلك دانت اللجنة التحضيرية للحوار الوطني - التي يرأسها رجل الأعمال المعروف الشيخ حميد الأحمر - ما وصفتها بالعملية الإجرامية التي قامت بها طائرات حربية في منطقة المحفد بابين وأفضت إلى مقتل عدد كبير من المواطنين بينهم نساء وأطفال تحت ذريعة ملاحقة أعضاء في القاعدة.
وقالت - في بيان لها – “إن اليمن يشهد أوضاعا غير مسبوقة من الانتهاكات للحقوق والحريات العامة تقوم بها الأجهزة الرسمية المركزية والمحلية واتساع دائرتها لتشمل أطراف اجتماعية وجماعات تمارس أعمال الخطف والقتل والاحتجاز والتقطع”.
واعتبر أن “ذلك يكشف حالة العجز والفشل الذي وصلت إليه السلطة، وتخليها عن مسئوليتها في حماية حياة المواطنين وأرواحهم وكرامتهم ومعيشتهم”.
تعليق العضوية
وفي ذات السياق أعلن نائب رئيس مجلس النواب محمد علي الشدادي – القيادي في حزب المؤتمر الحاكم – تعليق عضويته في البرلمان إلى أجل غير مسمى احتجاجاً على ما أسماه عدم اقتراف الحكومة لأرواح النساء والأطفال في محافظة أبين وعدم حضور نائب رئيس مجلس الوزراء لتقديم توضيحاته حول العملية.
وغادر الشدادي مجلس النواب وسط الجلسة بعد أن تأكد أن نائب رئيس الوزراء لشؤون الدفاع والأمن اللواء رشاد العليمي لم يأت يوم الإثنين إلى المجلس طبقاً للاستدعاء الذي أقره المجلس.
وخاطب محمد علي الشدادي المجلس قائلا “أنه لأمر مؤسف أن يتم التعامل مع أطفالنا بهذه الصورة”.
وأضاف “إنني شخصيا أعلق عضويتي من هذا المجلس حتى يتم وضع معالجات حقيقية على الأرض لما حدث”.
وفي الجلسة ذاتها هدد النائب عن مديرية خنفر أبين سالم منصور حيدرة بتعليق عضويته أيضاً إذا لم يتم تشكيل لجنة من المجلس للتحقيق فيما جرى من قصف في أبين وراح ضحيتها نساء وأطفال.
وقال “لقد ثبت ما لا يدع مجالا للشك أن هناك أشخاص داخل المجلس يعملون على تأجيج وتأزيم الوضع وإضعاف دور مجلس النواب”.
وأضاف مخاطباً أعضاء المجلس “أيها الأخوة إن محافظات الجنوب اليوم مجتمعة في المحفد ولا تظنوا أن الوضع سهلاً وإذا كنتم تعتقدون أن المسألة بسيطة فأنتم واهمون”.
يذكر أن مجلس النواب أقر تشكيل لجنة لتقصي الحقائق حول تداعيات أحداث المعجلة بمديرية المحفد.
وفي جلسته المنعقدة السبت الماضي أقر مجلس النواب تشكيل لجنتي لتقصي الحقائق في أحداث أبين وشبوة، وكذلك النزول إلى محافظـة صعدة، واللجنتين المشكلـة برئاستي نائبي رئيس مجلس النواب حمير الأحمر ومحمد الشدادي رغم عدم حضور الأخير.
وجاء تشكيل اللجنتين إثر تأييد أعضاء البرلمان لمقترح تقدم به صخر الوجيه وسالم حيدرة وعبده بشر ويشرف عليها نائب رئيس المجلس الشيخ / حمير بن عبدالله الأحمر، وضمت اللجنة الأولى بشأن الأحداث في محافظـات أبين وشبوة ولحج في عضويتها كلاً من : محمد الحاوري، ناصر با جبل، وخالد شائف، وعلي العنسي، وعبدالوهاب معوضه، وصادق البعداني، وقاسم الكسادي، وسالم حيدرة، وعبدالعزيز جباري، وزيد كرو ، وعبدالباري دغيش، وعبدالله المقطري، وأمين الزهيري.
بينما ضمت اللجنة المكلفة بالنزول إلى محافظة صعدة كلاً من : عيدروس النقيب، وعبدالكريم السنيني، وعبدالكريم جدبان، وعلي المخلافي، وصخر الوجيه، وعبدالسلام زابية. واللافت أنها ضمت أسماء من كتل المشترك بالرغم من عدم حضورهم الجلســة واستمرار مقاطعتهم للبرلمان منذ الأسبوع الفائت.
وفي جلسة الأربعاء قدم نائب رئيس الوزراء لشئون الدفاع والأمن رشاد العليمي تقريرا مفصلا عن العمليات الأمنية في (أبين – أرحب – أمانة العاصمة) حملت في مجملها دفاعا عن سير العمليات التي وصفها التقرير بالناجحة، وحالت دون قيام تلك العناصر بتنفيذ عمليات إرهابية في أمانة العاصمة تستهدف منشآت ومصالح غربية منها السفارة البريطانية.
وأشار التقرير إلى أن 24 من عناصر القاعدة سقطوا خلال هذه العملية في أبين وأن القصف لم تتجاوز حدود المعسكر.
و بخصوص العملية الأمنية في أمانة العاصمة أشار التقرير إلى سقوط 3إرهابين وجرح وأحد وإلقاء القبض على 8فيما تمكن 2من الفرار.
وقد قوبل محضر الجلسة باستياء واسع في أوساط البرلمانيين، حيث أعتبر على العمراني المحضر خلاصة ما قاله نائب رئيس الوزراء، وأنه تجاهل كافة المداخلات البرلمانية في الجلسة الماضية والأسئلة التي طرحها النواب ولم يجيب عليها العليمي، بينما طالب البرلماني عبد بشر هيئة رئاسة البرلمان بفصل الجانب الحكومي عن الأعضاء لمعرفة اكتمال النصاب من عدمه تفاديا لأية كارثة حد قوله، مشيرا إلى أن مقاطعة كتلة أبين والمشترك وتعليق النائب محمد الشدادي لعضويته بمثابة وضع مقلق في ظل بقاء هيئة رئاسة المجلس في البرلمان صامته.
وتساءل البرلماني صخر الوجيه عما إذا كانت سكرتارية النواب أو الوزراء من صاغت محضر الجلسة الماضية منتقدا تجاهل البث التلفزيوني لمداخلات الأعضاء في الجلسة.
واعتبر ياسر العواضي المحضر بأنه هزيل ولا يليق بالتصويت عليه.