أن تغرق وأنت تكره الحياة فتلك مصيبة ، وأن تغرق وأنت تخشى الموت وفي وسع الآخر أن ينقذك ويأبى فتلك كارثة .. أن تحيا وأنت تجابه الصعاب وتكابر في ظل واقع مؤلم فذلك كفاح لكن أن تعيش وحولك تماسيح تحاول سلبك الحق في الحياة دون أن تعترف بك فتلك جريمة ...
هكذا يعيش الإنسان أياً كان في خضم واقع لا يعترف بمن لا يعترف بنفسه .. واقع قد يكون أقرب من مبدأ البقاء للأقوى رغم أن ذلك لا يكون إلا في الغابات .
إن أسوأ شعور يمكن أن يختلج في أحشاء الإنسان هو أن يشعر بأن وجوده عبثي وحياته لا منفعة ترتجى منها فكيف بمن يُرغَم على ذلك ؟! ونحن لن نجد ذلك وبنفس المواصفات الدقيقة ولا يمكننا أن نسقط ذلك إلا على منطقة تسمى تهامة فهي لا تتميز إلا بالبساطة ولكن ما الذي يمكن أن يفعله الإنسان بالبساطة وحدها ؟ والبساطة والتواضع هو من فتح الباب أمام القاسية قلوبهم والواسعة بطونهم أن يؤسسوا لمبدأ السلب والنهب ويعملوا جاهدين من أجل توسيع أرزاقهم بالبطش والابتزاز ، ذلك المبدأ وصل إلى سقف ما فوق المتوقع فحرم المواطن في تهامة من أبسط حقوقه التي كفلها له القانون فالمياه لا تقوى على شربها البهائم ، والصحة لا تتمثل إلا في مراكز عقيمة والوظيفة حصرية على الجار ذي القربى والجار المريش والصاحب بالمال وابن المسئول .
{ إستطلاع / يحيى علي شرف
لا حياة لمن تنادي
الأستاذ/ يحيى عمر من مدرسة آزال يتحدث عن ذلك الواقع بالقول : إن المتأمل لحياة أبناء الريف والمدينة يجد الفرق واضحاً والبون شاسعاً فأبناء الريف مهمشون من كل البنى التحية التي لا يمكن الاستغناء عنها فهذا قد يكون عن قصد وقد يكون ناتجاً عن قلة الإمكانيات المتاحة لتوفير الخدمات أو صعوبة المنطقة جغرافياً رغم أن الإنتاج في الوطن قائم على الريف لوجود المناطق الزراعية واختتم كلامه بالقول : ولكن لا حياة لمن تنادي .
الأستاذ / حسن علي من مدرسة خالد بن الوليد يقول هناك فرق بين أبناء ريف تهامة والأرياف الأخرى وذلك لاعتبارات متعددة والمرارة كل المرارة يلقاها أبناء تهامة ريفاً كانوا أم حضرا غير أن الريف في تهامة حدث ولا حرج فلا كهرباء ولا مياه صحية ولا رعاية صحية أو تعليمية ولا طرقات ولا وظائف حكومية ولا فرص عمل للعاطلين إلا فيما ندر كالعاملين في الزراعة أو الرعي وذلك لا يفي إلا بغرض متواضع لأعداد ضئيلة في الاستفادة من هكذا أشغال فهم وللأسف يعيشون حياة بائسة في كل مجالات الحياة وما زالوا يعيشون في العصور القديمة فكيف نطلب منهم الإنتاج والإبداع ؟!
قصد وإرادة
الأستاذ / سليمان محمد صغير بك تربية يصف أن ما يحصل في معظم أرياف تهامة بأنه تهميش جاء من قبيل الإرادة والقصد فهناك كما يقول تجاهل للمواهب والكوادر الريفية يتعدد ويختلف وكأن الريف لا خارطة له في الخدمة المدنية إلا ما ندر وباعتبارات مالية . ويتساءل قائلاً: من المسئول عن كل ذلك ؟! فالجهات المختصة هي المذنبة التي تضطر الكوادر دائماً إلى الالتحاق بحقول الزراعة .. ويا ترى من المسئول عن صقل تلك المواهب ؟!!.
أحد عوامل الفقر
سمير عبدالله شريعة وقانون
ربما لا توجد خطط أو برامج تنموية من قبل السلطة المحلية أو المجلس المحلي تصب في مصلحة الريف وإن وجدت فهي لا تخرج من أدراج المكاتب رغم أن القانون يكفل الحياة الكريمة للجميع .. ويضيف هذا هو أحد العوامل المؤدية إلى الفقر والأمية فانعدام المرافق الصحية والتعليمية بشكل شبه تام وعدم المتابعة من قبل الجهات المختصة لاستكمال المشاريع أيضاً أسباب أخرى لزيادة الهموم رغم وجود الكوادر المؤهلة وحملة شهادات البكالوريوس الذين مرت على تخرجهم عدة أعوام .
الأستاذ /علي مستور يقول : ما يتعرض له ريف تهامة هو تهميش بحد ذاته سواء قيل بقصد أو غير ذلك ، فهو مهمش في كل جوانب الحياة رغم أن أبناء الريف يؤدون ما عليهم من واجبات في حين أنهم لا يجدون حقوقهم في الصحة والتعليم والكهرباء والصرف الصحي والوظيفة العامة.
هم السبب
الأستاذ/علي سليمان يخرج عن ما سبق ويرى أن أبناء تهامة هم من أوجدوا لأنفسهم هذا الواقع لأنهم لم ينخرطوا في المجتمع المدني واكتفى معظمهم بالتعليم المتوسط واتجه إلى الزراعة الري والعمل الحر .. ويتابع لو يعمل هؤلاء على مواصلة تعليمهم وتأهيل أنفسهم والبحث عن فرص عمل أرقى فسيتحقق لهم ذلك و سيظهروا بطريقة أفضل لأنهم لم يتعرضوا لما يسمى بغسيل العقول من القنوات الفضائية والإنترنت وغيرها .
ويتابع الأستاذ / عبدالله محمد حيث يرى أن هذه المشكلة هي فيروس يصاب به الريف اليمني وتسببه السلطة فلا يزال ريفنا يعاني ويلات هذا الداء الخطير كما يصفه ويتابع لقد رفع الشيخ والعاقل غير المؤهلين وتم تجاهل الكوادر المؤهلة وهذا ساعد على انتشار هذا الداء وما يشهده الريف اليمني من تحسن طفيف في بعض أجزاء منه يرجع إلى مقاومة أبنائه لهذا المرض ومكافحتهم الدائمة له ويحمل عبدالله وسائل الإعلام المسئولية بسبب غيابها وعدم تعرضها لتلك المعاناة ويختتم كلامه بالقول : على أبناء الريف أن يؤهلوا أنفسهم ويأخذوا المصل المناسب لهذا الداء بعد أن عرفوه فما من داء إلا أنزل الله له دواء ودرهم وقاية خير من قنطار علاج .
الأستاذ/ أحمد علي يقول عند الحديث عن ريف تهامة فهو لا يحظى بما تحظى به المناطق المدنية رغم ظهور مصطلح اللامركزية وهذا سببه قلة الوعي لدى أبناء الريف بحقوقهم كما أن على السلطة أن تتحمل مسئولياتها وتتكفل بالحقوق الخدمية والتوعوية وإذا وجدت الإرادة من المجالس المحلية فستأخذ كل منطقة حقها وبرأيي ما يجب هو إتاحة الفرصة لأبناء الريف فقط كونهم لا يختلفون كثيراً عن أبناء المدن في الوضع الاقتصادي فالطالب الريفي لا يستطيع تحمل تكاليف المواصلات يومياً كي يلتحق بالجامعة في المدينة .
تجاهل واضح
الأستاذ / محفوظ أبكر يواصل الحديث في الموضوع ذاته بالقول: ما يتعرض له الريف هي معاناة دائمة فأبناء الريف لا يذكرهم أحد إلا حال الانتخابات وبعدها تتواصل المعاناة وكأن أبناء الريف ليسو مواطنين أصليين أضف إلى ذلك الوساطة والمحسوبية وغياب الخدمات الأساسية فعلى سبيل المثال مشروع مياه متكامل يمر بالقرى متجهاً إلى المدينة ولا تحصل القرى على أي شيء منه لعدم وجود الشيخ أو القبيلة فذلك حرمان متواصل وللمعاناة بقية .
الأستاذ/محمد درويش يتحدث:
ريف تهامة هو أحد الأرياف المهمشة بشكل شبه تام ويرجع ذلك إلى أن أبناء تهامة لا يتقنون فن المطالبة بالحقوق ويكتفون بالعيش بالبركة متناسين أن لهم حقاً مكفولاً في كل ثروات الوطن فمعظم القرى لا تتوفر لها الخدمات الأساسية الضرورية لاستمرار الحياة ولا تكاد تذكر هذه المنطقة إلا في زحمة الانتخابات .
علي سليمان ..... قصة مأساة
قرية علي سليمان هي أحدى قرى تهامة الواقعة شرق مدينة الحديدة على بعد 16 كم تتبع مديرية المراوعة ، بلغ عدد سكانها 2000 نسمة حسب تعداد 2004م للسكان والمساكن والمنشآت .. هي القرية التي حصلت على حصة الأسد من المعاناة فهي جزيرة صناعية تحيط بها المصانع من ثلاث جهات بيد أن أبنائها ليس لهم أولوية فيها .. قصة مأساة ورواية ألم ، تسعة وخمسون طالباً من يحملون الشهادات الثانوية منهم ستة فقط من واصلوا تعليمهم الجامعي أي بمعدل يصل إلى 1. % هؤلاء هم من الجيل الصاعد بغض النظر عن الأولين ، مياه ، مرافق صحية وتعليمية كل ذلك لا يزال غائباً عن خطط المجلس المحلي بحكم صلاحيته الواسعة التي لم تتمثل إلا في الجباية ، وتتواصل المعاناة حيث تم إقامة مشروع خلاطة إسفلت لا تبعد سوى بضعة أمتار عن المنازل تسكب مخلفاتها القاتلة من الديزل والإسفلت والحجارة على الأطفال الرضع ، والكهول الركع دونما رحمة في وقت لا يسمح للمواطن أن يتفوه بكلمة تمس تلك الخلاطة وما عليه إلا أن يرضى بالواقع والمجلس المحلي بعيد كل البعد عن ذلك ولا يعنيه المواطن هناك إلا لحظة الانتخابات ، إهمال تام وتهميش أقرب ما يكون بالمنظم في حين غفلة عمت كل المرافق الحكومية .
قرى حديثة الاكتشاف
الكنب قرية أخرى لقصة معاناة لا تنتهي ، يبدو أنها لم تكتشف إلا قريبا فالمنازل حدث دونما توقف وكأنها على مبدأ “ منازلنا في الآخرة “ فهي لا تقوى على مقاومة مياه الأمطار ، المياه لم تصل إليها بعد فالناس يشربون من الوادي ، والكهرباء مصطلح لا يذكر أبدا والفوانيس حاكم يبسط نفوذه هناك رغم التقدم الهائل الذي حصل ، ولك أن تتحدث عن المرافق الصحية بما يحلو لك لأنها غير موجودة تماماً في ظل انتشار مختلف الأمراض والأوبئة في سهل تهامة ، أما التعليم فهو أحد الكماليات قبل أن يكون أحد أهم ركائز البناء والتنمية فلا مدرسة ولا مكتبة ويظهر ذلك جلياً حيث لم نجد في هذه القرية إلا معلماً واحداً والبقية هم من تضطرهم صعوبة الحياة إلى الانقطاع عن التعليم والبعض لا يدفع بأبنائه إلى المدرسة لأنها بعيدة في قرية أخرى وآخرون يرون أن أبنائهم يجب عليهم وإن كانوا أطفالاً أن يعينوهم على جلب لقمة العيش فيتركون المدرسة منذ البداية ,فهل تعي وزارة التربية والتعليم كم هي ناجحة بحيث أن قرية يزيد تعداد سكانها عن 1270 نسمة ليس منهم إلا مدرساً واحداً خاصة في ظل رفع شعار “التعليم للجميع “ وإذا كانت عدم القدرة على استخدام الكمبيوتر تسمى أمية فما هو المفهوم الذي سيطلق على من لا يجيد حروف الهجاء ؟!!
وهكذا غالبية قرى تهامة بمختلف مديرياتها تقع تحت خط الفقر وخط المرض وخط الأمية وتردي البنى التحتية فهناك قرى الزاوية واليومين والأبيات والزبيرية والزاهرية وغيرها فهي مجرد قرى زراعية لم تصل إلى ما وصلت إليه المدينة على أقل تقدير فيا ترى من المسئول عن كل هذا ؟!
الصحـــــة
مديرية بأسرها ضمن التقسيم الإداري أسميت مديرية المراوعة لا فرق بينها وبين القرى والأرياف التابعة لها ... أسواق تسمى بالشعبية جلبت لها كل خبث وبلاء ... أكياس بلاستيكية ، مخلفات الحيوانات والقمامة بمختلف أنواعها وأشكالها وكل ذلك بالإضافة إلى اختلاطه بالمياه كون المجاري في المديرية غائبة وعدم وجود قنوات لتصريف مياه الأمطار التي تقيم فيها أياما عدة في ظل ازدحام الشوارع والممرات .. مجلس محلي لا يعتقد أن مثل هذه الحالات تسمى مشاكل يجب وضع حلٍ لها وقريباً ستحتفل المديرية بخلوها الكامل من الصحة .
مديرية المراوعة الخالية من الصحة إن صح التعبير فمستشفى ريفي لا توجد به حتى سيارة إسعاف ، ومرافق لا تمتلك أدنى المقومات ، وبالمركز الريفي في القطيع يضرب المثل حيث لا يوجد به إلا “ الشاش والإبرة” وكادر طبي ما بين ممرض وقابلة كما أنه تم اكتشاف أكثر من خمسين حالة مصابة بالسرطان الذي ينتشر بمعدل مخيف كون المواطن هناك يتناول “ الشمة والشيشة “ بصورة مخيفة وهذه أحد أهم المسببات لكن التوعية الصحية هنا لا تزال غائبة من جميع الجهات الصحية والوسائل الإعلامية يذكر أن المنظمة الألمانية قامت بنزول ميداني للمديرية مطلع العام الماضي للكشف على مياه آبار الشرب وجدت أنها غير صحية وأشارت حسب نتائج المسح الميداني إلى وجود عدد من الحالات المصابة بعدة أمراض كما وجهت رسالة استغاثة عاجلة إلى مكتب الصحة العامة والسكان بالمحافظة ووزير الصحة لهول الفاجعة ..
احتفال يومي
كهرباء الحديدة وبالأخص المراوعة مشوار من المعاناة وبحر من الآلام والهموم فإدخال الخدمة يستغرق ما يزيد عن سبع سنوات كما يحدث في معظم قرى مديرية المراوعة وغيرها ولك أن تتحدث بما لذ وطاب بعد ذلك فالمديرية المذكورة بالذات تحتفل كل يوم بعيد انقطاع الكهرباء ثلاث وجبات مؤكدة تزيد على ساعتين ولا تنقص عن ساعة في معاملة لا يوجد لها نظير في القارة السمراء ، والجميع يعلم حالة الغليان التي تعيشها المحافظة طوال أيام الصيف وصلت لحد القول أن أبناء تهامة يكفيهم “جهنم الدنيا”.
ترى هل تقصد المؤسسة العامة للكهرباء تخفيف تكاليف الفاتورة التي تنزل قبل الاشتراك بعام كامل أم أنها وحسب إرصادنا المبجل تتوقع أن تتغير حالة الطقس من حالة الغليان إلى حالة الصقيع ؟! في حين أن التربية لا تخشى على طلابها أن يزدادوا أمية في ظل انهيار التعليم وانحداره إلى مستوى يبعث الخوف القلق من ظهور جيل يتمتع بالأمية الكاملة بتقدير امتياز ..
أخيراً ..
أبناء تهامة لا يسعون إلى الالتحاق بالمدينة الفاضلة كما أن أحلامهم لا تتعدى الحياة الطيبة ، وتوفير صحة تضمن لهم البقاءعلى قيد الحياة فتهامة قد اقترفت إحدى الكبائر حينما احتضنت البسطاء واحتوت الطوفان الآثم ، تهامة لا تطلب سوى أن يواصل أبناؤها تعليمهم دون أن تجبرهم الظروف إلى الالتحاق بحقول الزراعة أو مصانع القطاع الخاص ذات الأجرة اليومية التي لا تتجاوز أربعمائة ريال ,, كما أن أحلامهم لا تتعدى سقف المستحيل فاستمرار الكهرباء دون انقطاع مخلٍ كافٍ لذلك ويكفي أيضاً أن يعلم كل من يجلس على كراسي المسئولية في المحافظة فقط بما يعانيه الناس وما يواجهونه من سطوة المتنفذين الذين دائما ما يجدون المساندة ممن يمثلون القانون ..